مرشح؟ إتصل بنا
الحريريّة ومأساة البيارتة الصامتة في منافي بشامون وعرمون

الحريريّة ومأساة البيارتة الصامتة في منافي بشامون وعرمون

كتب محمد أبي سمرا في المدن:

روى المادة الأساسية من هذه السيرة العائلية- الاجتماعية والشخصية شابٌ بيروتي ثلاثيني. ومدارها المجتمع البيروتي الصامت، وقصته المأسوية مع الحريرية. وهي تتناول أيضًا أحوال فئات بيروتية تشعر أن سنوات "المجد" الحريرية التي تجلّت بالنهوض وإعادة إعمار وسط بيروت، كانت وبالًا اقتصاديًا وعقاريًا عليها. فالفئات ما دون الوسطى والشعبية البيروتية، ترى أن النهوض والازدهار اقتلعاها من ديارها في بيروت ونفياها بصمت إلى عراء العمران "البرِّي" والموحش في بشامون وعرمون. وهذه حلقة أولى من هذه السيرة- الشهادة المروية في صيغة المتكلم، واستُدخلت في سياقها هوامش وتعليقات قد تملأ بعض فجواتها.

ولادة بين الأهل
كان قد مضى على إقامة والديَّ البيروتيّين حوالى سنواتٍ سبع في باريس، ويتابعان دراستهما الجامعية العليا، لمّا بانّ حملُ أمي بي، فاتفقتْ مع والدي على عودتها إلى لبنان، لئلا تلدُ في فرنسا بعيدًا من ديارها وبين أهلها في بيروت، فولدتني سنة 1987 في مستشفى المقاصد البيروتية. وكان والداي من عشرات ألوف الطلاب/ات الممنوحين من مؤسسة رفيق الحريري طوال عقد الثمانينات اللبناني الحربي المظلم، للدراسة في جامعات أوروبية وأميركية.

وحتى اليوم لم ألحّ للحصول على جوابٍ من أمي وأبي عن دافعهما الذي حملهما على تفويتِ فرصة ولادتي في فرنسا، وحصولي على جنسيتها التي استقتل لبنانيون كثيرون في فرارهم من ديارهم طوال سنوات الحروب (1975- 1990) وبعدها وحتى اليوم، لتحصيلها أو سواها من الجنسيات الأوروبية والأميركية الشمالية. وقد أكون أنا مثلهما في عدم اكتراثهما بمراجعة سيرة حياتهما، لإعادة تقصّيها وفهمها ووعيها وتأليفها على نحوٍ أو مثالٍ شخصي وفردي. وياما سمعتُ والدي يردّد على مسامعي في مناسباتٍ وسياقات كثيرة، قائلًا: "كلنا في مركب واحد، فننجو أو نغرق جميعًا". وفوق هذا لا تساعدني ذاكرتي الشخصية، الشديدة التشوّش والكثيرة الثقوب والفجوات، في جمع شتات حياتي البيروتية في رواية متساوقة ومتماسكة.

ثم إنني لا أدري هل يعني شيئًا قولُ والديّ، مثلًا، إن تفشي العنصرية في فرنسا هو علّة إصرارهما على أن أولد في بيروت.

وقد تكون العلّة الحقيقية لذلك الإصرار كامنة في الوعي التقليدي المتوارث في بيئات لبنانية وعربية وإسلامية كثيرة: الريبة والخوف من إنجاب الذرّية وتربية الأطفال في بلاد أجنبية غربية، بعيدًا من ديار الأهل وحضانتهم وثقافتهم وسنن حياتهم ولغتهم، فينشأ الأولاد غرباء ومنقطعين عن أهلهم قطيعةً ممضّة، تكسبهم أخلاقًا وقيمًا شائنة ومقيتة في روع الأهل ووجدانهم. ورغم أنني من جيل بيروتي ولبناني قد يكون نشأ في منأى من هذا الوعي أو المركّب أو الإرث، فإنني أتهيّب اليوم من الهجرة من بيروت ولبنان اللذين ينحدران منذ سنتين في هذه الهوّة من السواد والمقت الماحقين. وحين أحاول العثور على علّة تهيّبي هذا، لا أجدُ سببًا شافيًا في غير تعلّقي الغامض بظلال حياتي المتشظّية في بيروت.

ولا أدري إن كان ذاك الإرث البعيد إياه، الذاوي والمتخثّر، هو ما يتشّبثُ بي ويشدّني برباط غامض إلى هذه المدينة التي لفظتني وأهلي وأقاربي جميعًا وسواهم من أهل الضعف البيارتة إلى خارجها، فانسلخوا عنها بصمت أو نفيوا إلى ضواحيَ برّية موحشة في عرمون وبشامون وخلدة والناعمة والجيّة.

عادت أمي وحدها من فرنسا. وبعدما ولدتني قد تكون أقامت في بيت أهلها القديم في الطريق الجديدة ناحية صبرا، إلى أن أنجز والدي دراسة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا والتربية وعاد من باريس، فانتقلا للإقامة في بناية بمنطقة الرملة البيضاء، ولمّا قُصفت تلك البناية أثناء حروب العماد ميشال عون في سنتي 1989- 1990، استأجرا لإقامتهما الموقتة بيتًا في الأوزاعي، ديار التهجير والعمران العشوائي، قبل انتقالهما مجددًا إلى بيت مستأجر في الطريق الجديدة. وكانت الحرب قد توقفت، فعمل والدي موظفًا يعدُّ كتبًا مدرسية في المركز التربوي للبحوث والإنماء، وعملت أمي في إذاعة صوت الوطن التابعة لجمعية المقاصد. لكن والدي لم يمكث طويلًا في وظيفته في المركز التربوي، فانتقل إلى التدريس في جامعة الإمام الأوزاعي في الطريق الجديدة.

المجتمع البيروتي الصامت
في أحاديث أبي وأمي القليلة التي سمعتها منهما، أسَّس عقد التسعينات الحريري منعطفًا بارزًا في حياة البيارتة وأوضاعهم. لقد اختصر الحريري مشروعه للنهوض وإعادة الإعمار بوسط مدينة بيروت. بالتأكيد ينظر البيارتة بفئاتهم كلها تقريبًا إلى الحريري بوصفه زعيمهم، ويقولون إنه علّم وعمّر. وهذا ما يقرّ به أهلي وأقاربي وأمثالهم من الفئات ما دون الوسطى والشعبية. لكنهم يشعرون أيضًا أن مشاريعه العقارية والعمرانية غبنتهم، لأنها همّشتهم وهجّرتهم من أرضهم وديارهم ومدينتهم.

وبما أن المجتمع البيروتي مجتمعٌ صامت وغير صاخب، وخافت العبارة عن أحواله ولا يميل إلى الاحتجاج ورفع الصوت عاليًا، ظل ذلك الغبن والتهميش والتهجير في حال من الكتمان والصمت. وصار على المغبونين الصامتين البيارتة أن يبتلعوا رغبتهم في تملُّك شقة لسكنهم في أي من أحياء بيروت، وألاّ يبصرونها إلا في أحلام يقظتهم ومناماتهم. وهذا بعدما رفعت الهبّة العقارية الحريرية ثمن شقة متواضعة في الطريق الجديدة، مثلًا، إلى 180 ألف دولار وما فوق، بينما لا يتجاوز ثمن شقة سكنية مماثلة أو أفضل منها في بشامون وعرمون، 40 ألف دولار فقط.

وفي غمرة تلك الهبة صارت أمي تقول إن المهندسين وتجار العقارات في بيروت نبتت لهم أنياب أخذت تنهش أمثالنا، وترميهم خارج مدينتهم. وبين الفئات البيروتية التي منها عائلتي أمي وأبي، صرتَ تسمع من يقول إن هنالكَ خطة لتغيير تركيبة بيروت الديموغرافية تغييرًا طبقيًا. أو إن الطوائف راحت تحاصر فئاتها ما دون الوسطى والشعبية أو الدنيا، تهمّشها وتقتلعها: الأغنياء السنّة البيارتة لهم أحياؤهم في رأس بيروت وعين المريسة وفردان والقنطاري، فيما يُطرد غير المقتدرين من بيروت إلى بشامون وعرمون. وهذا ما يسري على الشيعة الذين اتخذ أثرياؤهم الجناح والرملة البيضاء منطقتين لسكنهم خارج الضاحية الجنوبية.

وبما أدخره والداي من مرتّبيهما كموظّفين متوسطي الحال تعذّر عليهما سنة 2000 تملُّك شقة لسكننا، حتى في الطريق الجديدة. لذا، راحت أمي تقول: لم يعد لنا مكان في بيروت، فيما هي تفكر حائرةً مغتمّةً أين يمكنها أن تشتري تلك الشقة خارج بيروت. وأخيرًا لاذت بدفء القرابة تعويضًا عن صقيع الاقتلاع من أحضان بيروت: الإقامة قرب شقيقتها وزوجها في شقة اشترياها ببناية في بشامون قبل سنة أو اثنتين. واشترى والدي الشقة الموعودة في بناية مقابلة للبناية التي تقيم فيها خالتي. وبين أواخر التسعينات والعام 2007، جرّت علاقات القرابة واستحالة تملُّك أمثال أهلي مساكن في بيروت، اثنين من أعمامي وثلاثة من أخوالي إلى شراء شقق لهم في بشامون.

مأساة الحريرية
في صمت والى أهلي وأمثالهم الحريري الأب سياسيًا، واعتبروه زعيمًا سنّيًا، لكنهم لم يشعروا أن زعامته أفادتهم اجتماعيًا وطبقيًا، بل همّشتهم اقتصاديًا وعقاريًا. فالحريرية ومشاريعها ومؤسساتها أفادت فئات ودوائر محدّدة من البيارتة، فرفعت شأنهم ومراتبهم الاجتماعية والاقتصادية. ومن شعروا واعتبروا أن الحريرية طردتهم أو اقتلعتهم من أحياء بيروت، ورمتهم أو نفتهم إلى بشامون وعرمون، أنِفوا ورفضوا قبول هبات الحريري التي راحت توزّع عليهم زيتًا وصناديق مواد غذائية، عندما بدأ رفيق الحريري وماكينته الانتخابية يحضّران في نهاية العام 2004 ومطلع العام 2005 لخوض الانتخابات النيابية.

فبعض من طَرَقَتْ الهِباتُ الحريرية أبوابَ بيوتهم من البيارتة الذين يعتبرون أنهم منفيون من بيروت إلى وحشة عرمون وبشامون، أقفلوا أبوابهم قائلين: لا نريد زيتًا ولا صناديق إعاشة، بعدما هُشِّمنا في بيروت وطُردنا منها غصبًا. لكن هؤلاء أنفسهم هبّوا إلى البكاء على قبر رفيق الحريري في ساحة الشهداء، طوال ذاك الشهر اللبناني العاصف بين 14 شباط و14 آذار 2005.

وورث سعد الحريري والده، وربما التفّ حوله البيارتة والمجتمع البيروتي، أكثر مما فعلوا مع والده في حياته. وأخذ سعد يراكم وعودًا فوق وعود، فيما كان البلد قد دخل في مرحلة استنزاف سياسي واقتصادي شديد الشراسة. فكيف لأمثال سعد الحريري الشاب الوريث العديم الخبرة والتجربة أن يسلك بين ذئاب السياسة اللبنانية وضباعها في تلك المرحلة العاصفة ما بعد سنة 2005، وحتى اليوم؟!

وعندما حاول الشاب الوريث أن يستلهم طريقة والده في التسويات، وأنجز ما يسمّى "التسوية الرئاسية" مع ميشال عون وحزب الله، كان كل ما تراكم في البلاد منذ مطالع التسعينات قد شارف على النفاد وتبخّر، وخسر سعد الحريري نفسه ووعوده. وها لبنان ودولته يتخبطان في الانهيار المأساوي الكبير المتواصل.
(يتبع..)